أبي منصور الماتريدي

442

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

التصدق ؛ لكنه إخبار عما [ قصدوا وعزموا ] « 1 » بالتصدق ؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون هذا من الله إخبارا عما عزم إبليس وقصد ؛ على غير التفوه به والقول ، وهو ما ذكر وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ [ المائدة : 99 ] أخبر أنهم كتموا فيه وأضمروا . ويحتمل أن يكون على التفوه بما ذكر ، قال ذلك ؛ لما قال له - عزّ وجل - : وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ لما شهد الله عليه باللعن إلى يوم الدين أيس - لعنه الله - عن الهدى ؛ فقال : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي : أي : لعنتني وشهدت عليّ بذلك لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ المخلص - بخفض اللام - : هو الذي أخلص له الاعتقاد ، والعمل والوفاء ، والمخلص - بنصب اللام - : هو الذي أخلصه الله ، وحفظه ، وعصمه ، واختصه بذلك . والمخلص لا يقال إلا بعد أن يكون لله فيهم صنع ، ولهم اختصاص ، وفضائل اختصهم بذلك ؛ برحمة الله وفضله . والمعتزلة يقولون : لا يستوجب أحد الاختصاص والفضيلة إلا بفعل يكون منه لا يستوجب بالله . ويقولون : الله لا يغوي أحدا لا إبليس ، ولا أحدا من أتباعه ؛ فإبليس أعرف بالله من المعتزلة ؛ حيث رأوا أن الله لا يغوي أحدا ولا يختص أحدا إلا بصنع يكون منه . وقوله - عزّ وجل - : هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ . قال بعضهم « 2 » : قوله عَلَيَّ بمعنى إليّ : أي : إليّ صراط مستقيم ؛ يقول : هو بيدي لا « 3 » بيد أحد وقال بعضهم « 4 » : الحق يرجع إلى الله ، وعليه طريقه لا يعوج على شيء . ويحتمل قوله : عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ : أي : عليّ بيانه وهو مستقيم ؛ كقوله : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ [ النحل : 9 ] : أي : بيان قصد السبيل . وقال بعضهم : لما قال إبليس : وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ قال الله تعالى : هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ يقول : عليّ ممرّ من أغويته وتابعك ؛ كقولك لآخر - إذا أوعدته - : إن طريقك عليّ . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ . يحتمل قوله : لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أي : ليس لك عليهم حجة إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ

--> ( 1 ) في ب : عزموا وقصدوا . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 21179 ) وانظر : الدر المنثور ( 4 / 184 ) . ( 3 ) في أ : ليس . ( 4 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير ( 21176 ) وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 184 ) .